- خـــطب - خطب نصية - الشيخ وليد خليل طعمة
الرئيسية
خـــطب
خطب نصية

المرأة وحرمانها من الميراث

خطبة الجمعة في مدينة زاكية

الموافق لـ : 14 / 1 / 2011 م

المرأة وحرمانها من الميراث

أما بعد :

فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله , وخيرَ الهدْيِ هدْيُ محمد , وشرَّ الأمورِ مُحْدثاتها , وكلَّ بدْعةٍ ضلالة ..

وبعدُ يا عباد الله : إنَّ الجاهلية الأولى قبل مجيء الإسلام كانت تعيش حياةَ الظلم والفوضى والغاب , وقد كثُرَ فيها ظُلْمُ القويِّ للضعيف ولا سيما ظلمهم للمرأة , حتى حرموها من حقوقها ومنعوها من الميراث ..

فالمرأة في الجاهلية ما قبل الإسلام ما كانت ترثُ لا من أبيها ولا من أخيها ولا من زوجها ولا من أقربِ الناس إليها , حتى كانت عندهم كالمتاع , بل من سقط المتاع ؛ حتى جاء الإسلام فأنصفها ورفع من شأنها وفرض لها الحقَّ والميراث كما للرجل حقٌّ وميراث , فقال الله تعالى : ﴿ للرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاًأي فرضاً مقطوعاً به ..

جاء الإسلام ليقول لنا ليستِ الذكورةُ بذاتها مفخرةً للرجل , وليستِ الأنوثةُ بذاتها عيباً في المرأة , لأنَّ المقياس عند الله في خلقه : ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ هذا هو المقياس ولا مقياس سواه , وكم من امرأةٍ قد فاقت بالتقوى والعمل الصالح الكثيرَ من فحول الرجال ..

نعم يا عباد الله , لم تكن الأنوثةُ بذاتها عيباً في يوم من الأيام لا في المرأة ولا في أي خلقٍ من خلق الله .. فالسماءُ أنثى ونقبعُ تحت سقفها , والأرض أنثى ونفترش ترابها , والشجرة أنثى ونستظل في فيئها , والوردة أنثى ونشم رحيقها , والفاكهة أنثى ونستمتع بطيبها , والجنة أنثى ونفرح يوم القيامة بنعيمها , والأم التي أنجبتك أنثى ولولاها لما كنتَ خلْقاً سويَّاً في هذا الوجود .. وكم من امرأةٍ قد فاقت بالتقوى والعمل الصالح الكثيرَ من فحول الرجال ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ .

كانوا يتعاملون مع المرأة في الجاهلية بكل أصناف القسوة والظلم والقهر والحرمان , حتى امتدَّ بعضُ ذلك إلى المسلمين في عهد النُّبُوَّة , وكان بعضهم يَحرِم المرأة من كل الميراث ..

وقد روى أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والحاكم وغيرهم عن جابر بن عبد الله قال : (( جاءت امرأةُ سعدِ بنِ الربيع بابنتيها من سعدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله , هاتان ابنتا سعدِ بنِ الربيع , قُتلَ أبوهما معكَ يوم أُحُدٍ شهيدا , وإنَّ عمَّهُما أخذ مالَهُما فلم يَدعْ لهما مالا , ولا تنكحان إلا ولهما مال . قال : يقضي الله في ذلك .. فنزلت آية الميراث , فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمِّهِما فقال : أعطِ ابنتي سعدٍ الثُّلُثَين , وأعط أمَّهُما الثُّمُن , وما بقي فهو لك )) .

﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ` وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ` ﴾ .

(( يا رسول الله , هاتان ابنتا سعدِ بنِ الربيع , قُتلَ أبوهما معكَ يوم أُحُدٍ شهيدا , وإنَّ عمَّهُما أخذ مالَهُما فلم يَدعْ لهما مالا , ولا تنكحان إلا ولهما مال . قال : يقضي الله في ذلك .. فنزلت آية الميراث , فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمِّهِما فقال : أعطِ ابنتي سعدٍ الثُّلُثَين , وأعط أمَّهُما الثُّمُن , وما بقي فهو لك )) .

هذا وبعدَ أن أعطى الإسلامُ المرأةَ حقوقَها وفرض لها نصيباً من الميراث , عُدْنا نحنُ من جديد إلى زمن الجاهلية الأولى , فحرَمْنا المرأةَ من الميراث , وألبسنا المرأة التي تطالب بحقها لَبُوسَ العار , وما دَرَينا أن العار إنما هو لباسُ مَن يهجرُ الإسلام ويعطِّل في القرآن الأحكام ..

فما الذي يجعلكَ تعطي كل شيء لولدك وتحرمُ ابنتك من كل شيء يا عدوَّ نفسك ؟.

ألأنك تفتخر بذكورة ولدك وتتعيَّرُ بأنوثة ابنتك ؟.

أم أنَّ ولدَك أشفقُ عليك من ابنتك ؟.

وكم من رجلٍ منكم قد مُنِع من الزواج من قِبَل أولاده من بعد أمِّهِمُ المتوفاة أو المطلقة ؟. علماً أنه لا يوجد على سطح الأرض من يمنعك من أن تمارس حقك المشروع الذي شرعه الله لك , إلا أن أولادَك يبذلون قصارى ما بوسعهم ليمنعوك هذا الحق الذي وهبه الله لك ..

ولا والله لم يمنعوك حُزناً على أمِّهِمُ المتوفاة ولا شفقةً على أمِّهِمُ المطلقة , وإنما خشيةَ من أن يُولدَ لك مولودٌ جديدٌ فيقاسمهمُ الميراث ..

وماذا بعد هذا ؟ فهل ستقول لي بأنك أرحم بأولادك مني ؟. بل الله أرحم منك بأولادك , ولذلك قال جل جلاله : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾ .

وتمعَّن بقوله : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ ﴾ وهذا الفعل يتضمن الأمرَ الحتم , إلا أنه جاء بلفظ أبلغ في الصيغة والمعنى من أن يقول ( يأمركم الله ) , وذلك لأن الأمر المجرد يحمل في طياته معنى الجبر والقهر والسطوة , ففيه معنى الشدة والقسوة في الخطاب .. ولو أن السلطان أمرك وقال : تقيد بالنظام ولا تقطع إشارة حمراء , لشعرت بمعنى القسوة التي أُحَدِّثُكَ عنها , ولربما تذهب لتقطعَ الإشارة الحمراء يوم لا تجد عليك رقيباً من مسؤول أو شرطي , بينما لو قال لك : أوصيك بعدم قطع الإشارة الحمراء , لوجدت لهذا القول في نفسك أثرا وحلاوة .. ولو أن والدك أمرك قبل موته بأداء الصلاة , لربما صليتها قليلاً وربما من غير قناعة فيها لما حمله هنا اللفظ من معنى الشدة والقسوة , ولكن لو أنه قال لك قبل الموت : أوصيك يا ولدي بالصلاة , لوجدت لهذه الوصية أثراً في نفسك عميقا ..

وهنا ربنا سبحانه وتعالى يخاطبنا كمؤمنين ليقول : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ ﴾ ومن كان في قلبه إيمان لأدرك العطفَ الإلهيَّ مع عظيمِ رحمته في قوله : ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ ﴾ والله أرحم مني ومنك بأولادنا , وإلا لما أوصانا بهم لو كنا رحماء وعادلين ..

يفتخر أحدنا بأولاده الذكور من دون الإناث , فيذهب ليهتمَّ بهم في إطعامهم الحرام ويسجِّل كل ما يملكُ لهم في السِّجلاّتِ العقاريَّة لكي يحرمَ بناتِه من الميراث من بعد موته , ولا يدري بأنه بذلك إنما يسوق نفسَه إلى جهنَّم , وبئسَ المصيرُ جهنم ..

قل لي يا مسلم : أتشمخ بذكورة أولادك أم بفحولتهم حتى تلجأ إلى حرمان بناتك من أجلهم ؟!. أتذكر يوم ضربوك وأهانوك وسفَّهوك ومنعوك من حقوق الإنسان التي يعترف بها كل البشر ؟.

بالأمس الذي ليس بالأمس البعيد , جاء شابٌّ إلى باب المسجد وتربَّص بوالده إلى أنْ خرج من المسجد والدُه , وبعد أن قصدَ بوجهه صَوْبَ الطريق هجم عليه من الخلف بدراجته النارية وصدمه بها في ظهره وطرحه في الأرض ..

قل لي يا أيها الظالم : هل تفعل ابنتك التي تحرمها من كل شيء مثلَ هذا الفعل القبيح الذي فعله بك ولدُك ذو الفعلِ القبيح ؟!.

وأخبرني عندما تفقِدُ ذاكرةَ الزمانِ ويردُّكَ الله إلى أرْذلِ العُمرِ لكيلا تعلمَ من بعد علمٍ شيئا , بالله عليك فأخبرني عن ساعتِئذ :

مَنِ الذي يُزيلُ من تحتِكَ خِراءتَك ؟

مَنِ الذي يُطهِّرُ لكَ نجاستَك ؟

مَنِ الذي يُنظِّفُ عنك بولَك ؟

مَنِ الذي يُميطُ عنك مُخاطَك ؟

مَنِ الذي يُطعِمُكَ بيدَيه ؟

مَنِ الذي يُقبِّلُكَ بشفتَيه ؟

مَنِ الذي يحنو عليك ويضمُّكَ إلى رِئتَيه ؟

إنها ابنتُكَ يا من حرمتَها .. إنها ابنتُك يا من ظلمتَها .. هي وحدها التي تعتني بك وتهتم بشأنك رغم الظلم الذي ألحقتَه بها ..

وأما ولدُك فإنه أرفع وأجلُّ من أن يعتنيَ بكَ في مثل هذا الوقت الذي انحرجْتَ أنتَ فيه ..

وأما زوجةُ ولدِك فإنها تقرف منك وتزهد فيك وتعافك ..

فلذلك عبادَ الله اتقوا الله في بناتِكم , ونفِّذوا وصيَّةَ ربِّكم في أولادكم كما أمر , وانتهوا عمَّا نهى عنه وزجر ..

أقول قولي هذا

وأستغفر الله لي ولكم

 

وليد خليل طعمة
خطيب مسجد علي بن أبي طالب

-----------

  
عدد الزيارات : 627
كاتب المقال : وليد خليل طعمة
تاريخ الإضافة : السبت 10 صفر 1432 هـ    2011-01-15 ميلادي


5 4 4 1 9 9 1